أولاً: جغرافية واحات الجفرة ( الاسم والتاريخ )
تقع واحات الجفره بين خطي طول 13ْ، 15ْ – 15ْ، 17 ْ شرقاً ودائرتي عرض 40ْ، 28ْـ 30ْ ،29ْ شمالا ويبعد هذا الحوض عن البحر في خط مستقيم حوالي 260 كم وتوجد بالمنخفض مجموعة واحات مهمة هي هون – ودان – زله – سوكنه والتي تشكل في مجموعها واحات منخفض الجفره. فمن النواحي البشرية هي منطقة انتقالية بين فزان وشمال ليبيا ومن الناحية الإدارية ظلت جزءاً من فزان لفترة طويلة ولكنها إقليم له طابعه الخاص، وبذلك تعتبر واحات الجفره جزءاً من مجموعة واحات خط عرض 9ْ2 شمالاً، التي تمتد من واحة غدامس غرباً حتى واحة الجغبوب شرقاً.
كما يمتد هذا المنخفض إلى الجنوب من الركن الغربي لخليج سرت، ويحده من ناحية الغرب والجنوب حافة الحمادة الحمراء وجبال السوداء، ويعد حوض منخفض الجفره بيضاوي الشكل تقريباً ويبلغ طوله من الشرق إلى الغرب حوالي 48 كم، وعرضه من الشمال إلى الجنوب 24 كم، ويرتفع عن مستوى سطح البحر بنحو 340 متراً، وينقسم سطحه إلى جزئين بواسطة سلسلة من التلال الممتدة بين الشمال والجنوب تقسمه إلى حوضين شبه دائريين.
وعموماً فإن منخفض الجفره يتجه بوجه عام من الجنوب إلى الشمال وتقع سوكنه في ركنه الغربي وهي قاعدة واحات الجفره وتمتد نحو الشرق وسط سهل متسع، ولها طبيعة مكونة من رمال طينية غالباً ما تكون تحتها طبقة حجرية ، وتحيط بها من ناحية الغرب والجنوب حافة الحمادة الحمراء وجبال السوداء التي يصل ارتفاعها إلى 200 متر وفي قسمها الشمالي توجد وهاد رملية لا يظهر الماء فيها على وجه الأرض إلا نادراً وتحتضن منطقة واحات الجفره سفوح ومنحدرات جبلية مثل جبال السوداء ، وجبال ودان وجبال الهروج فضلاً عن بعض التلال الرملية من كافة الاتجاهات ، وبذلك تكون قد وفرت للمنطقة حماية طبيعية.
يزداد قاع هذه الواحات ارتفاعاً بالنسبة للمنطقة المحيطة بها من الشرق إلى الغرب، وإذا كانت جبال السوداء تفصل الجفره عن منطقة فزان، فإن جبال ودان تفصلها عن حوض سرت وساحل البحر المتوسط كذلك شأن زله التي تقع في منخفض مثلث الشكل ويسد هذا المنخفض منطقة الهروج من الجنوب، ومنطقة سريرالقطوسة والحماده الحمراء اللتان تحدان منطقة الجفره من الغرب، أما في الشمال الشرقي فتوجد مرتفعات وحافات أحواض في منطقة سرت، أما في الشمال فيوجد منخفض يمتد حتى منطقة تاقرفت وتسود الرمال الجزء الأوسط منه وتمتد صوب الشرق.
تقع جبال الهروج إلى الغرب من خط طول20ْ وإلى الجنوب من خط عرض 28ْ وهي تنقسم إلى قسمين يختلف كل منهما عن الآخر اختلافاً واضحاً في المظهر والتركيب وهما:
1- الهروج الأسود في الشمال، وهو مكوّن من صخور نارية سوداء، ويصل ارتفاع بعض قممه إلى 1200 متر ويتواصل امتدادها حتى المنخفض الذي توجد فيه واحات الجفره، وعلى الرغم من جفاف جبال الهروج وقحولة مظهرها، إلا أنها تتعرض أحياناً لسقوط أمطار غزيرة يترتب عليها تحول بعض الأحواض والوديان الصخرية إلى خزانات مائية كبيرة تبقى فيها المياه معظم أيام السنة، ويطلق عليها اسم( الغدران )، ويصل عمق الماء في بعضها من 4 – 5 أمتار، كما تتجمع المياه في ( محاكم) تعرف باسم ( القلته ) مثل قلته أهلالية، العزازية الجراحية بجبال الهروج.( وهى تسمية محلية لأهل الواحات والبادية).
2- الهروج الأبيض في الجنوب، ويتكون من صخور جيرية بيضاء والكثير الغالب من تلال الهروج الأبيض لا يزيد ارتفاعها عن 10 أمتار فوق سطح الصحراء التي حولها، وتنتشر في مساحة واسعة إلى الجنوب وإلى الغرب من الهروج الأسود وتواصل امتدادها نحو الجنوب الغربي، ويصل فرع منها إلى غرب منطقة (تمسه) ومنطقة( واو الكبير) في فزان أما جبال السوداء فيقدر متوسط ارتفاعها 500 متر ولا يتجاوز منسوبها 840 متر في أكثر جهاتها ارتفاعاً وذلك في المنطقة الوسطى الشمالية، ويبدو عدم انتظام أطرافها في الجانبين الشرقي والجنوبي، حيث حفرت الوديان مجاري عميقة لها، وتتناثر مناطق الطفوح البركانية في الغرب والجنوب الشرقي وتغطي الطفوح البازلتية هضبة تتألف من طبقات شبه أفقية من الصخـــور الرسوبيـــــة ومن الصلصال المختلط بالجبس في أسفلها ومن الحجر الجيري في أعلاها.
ويؤكد رولفس في كتابه رحلة من طرابلس إلى الكفرة ذلك بقوله:
(( إن عدد الوديان التي تخترقها تزيد عن بقية الواحات، وتنتشر في فصل الربيع خميلة من النباتات، ولا يعني ذلك مزارع أو زراعة، وإذا ما استثنينا منطقة هون، حيث تشكل وديان مختلفة ما يدعى بالقراره التي يقوم أبناء هون في بعض السنوات بحرثها )).
ومن بين وديان منطقة الجفره وادي( مخريج، وسوف الجلة، ومصفر) وهي تتحد مع مصفر بعد أن تخترق في مواضع مختلفة جبال هون و ودان، ووادي مصفرالذى يأتى من شرق جبال ودان، ويسير في اتجاه الشمال الشرقي حتى البحر المتوسط عبر( وادي الشفار)، ونادراً ما يحدث أن يجري الماء فوق سطح الأرض ليبلغ البحر.
يسود واحات الجفره المناخ الصحراوي، وذلك نظراً لموقع تلك الواحات في منطقة صحراوية، ويتميز بالبرودة شتاءاً وبالحرارة والجفاف صيفاً، والرياح السائدة في الصيف تهب من الشمال حيث يصل تأثير الرياح التجارية الجافة إلى المنطقة، وفي هذا الفصل تهب عليها أيضاً رياح القبلي الجنوبية والتي غالباً ما تكون حارة تثير الغبار الذي يسبب إزعاجاً لسكان المنطقة، أما رياح الشتاء فهي غربية لا تسبب في سقوط الأمطار إلا نادراً خلال أشهر الشتاء، في ديسمبر ويناير وفبراير، وقد تسمح تلك الكمية من الأمطار أحياناً بوجود مراعٍ قليله تتركز في بطون الأودية والسهول التي تنمو فيها أيضاً بعض الأشجار والنباتات الصحراوية لذلك تعد واحات الجفره من مناطق الأستبس الصحراوية.
كما أدى وجود المياه الجوفية القريبة من سطح الأرض في بعض مناطقها، إضافة إلى العيون المائية إلى نمو أشجار النخيل الكثيفة وبعض النباتات الصحراوية في عدد من الحطايا ويعثر على الماء في واحات الجفره، في الغالب على عمق 3- 5 أمتار وكانت آبار واحات الجفره لا تجف في الغالب، وذلك بسب سقوط الأمطار من وقت لأخر على سفوح جبل السوداء وجبال الهروج وجبال ودان ولأن مجارى المياه تصدر في غالبيتها عن هذه الجبال التي تزود الواحات بالمياه.
ثانياً: الجفره الاسم والتاريخ:
أطلق اسم الجفره على الواحه بسبب طبيعة أرضها، لأن كلمة الجفره مشتقة من جوف وتعني البطن وقد أطلقها الجغرافيون العرب على المنخفض أوالحفره، لأن المنخفض ليس حقيقياً ً بل هو كذلك بالنسبة للجبال التي تحيط به وهناك من يقول: أن كلمة الجفره تعني سعة في الأرض مستديره، ويقال:( جفر) بمعنى أتسع والجفره تسمية حديثة لا نعرف متى ظهرت؟.
ولم يذكر الجغرافيون والمؤرخون العرب لهذه المنطقة أي اسم إلا بلاد ودان والتي تضم هون وسوكنه و زله ولم يرد ذكر الواحه في العصر الوسيط ما قبل الإدريسي، الذي عاش في القرن الثاني عشر حيث تحدث عن الواحه بقوله: (( إن أرض ودان مثل جزيرة من النخيل تمتد من الغرب نحو الشرق )) ويقول في موضع آخر: (( من سرت إلى ودان خمسة مراحل من الطريق وتقوم قبلها مدن )).
كما ذكرها البكري بقوله:(( أن ودان مدينة في جنوب أفريقية )) وذكرت ودان كثيراً من قبل المؤلفين العرب في العصور الوسطى، حسب رأي الإدريسي و الحميري الذي لا يذكر مصادره، وتم فتح ودان من قبل (بسر بن أبي أرطأة) سنة 23 هـ وفرض على أهلها غرامة قدرها 360 عبداً وبعد أن غادرهم ارتدوا عن الإسلام وبقوا على ردتهم إلى أن فتح بلادهم عقبة بن نافع سنة 49 هـ وبقيت مدينة ودان زمن الفتح الإسلامي هي العاصمة حيث يقول الطاهر الزاوي: في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا(( ودان مدينة قديمة من مدن البربر الجنوبية، ويتبعها زله، وهون وسوكنه وما جاورها، ويطلق على الكل بلاد ودان، وكانت ودان زمن الفتح الإسلامي هي العاصمة، وكان عليها سور، وقد تهدم ولم يبق منه الآن إلا آثاره وقد امتد عمرانها خارج السور )).
واحة سوكنه:
أما سوكنه فلم تكن معروفة بهذا الاسم ولم يرد ذكرها في المؤلفات القديمة التي اهتمت بالرحالة وأخبار البلدان لأنها كانت تدخل تحت اسم بلاد ودان وكان مؤلفو القرون الوسطى يجهلون سوكنه ولا نعلم كيف أخذت سوكنه دور ودان، ولماذا أتخذها الأتراك مقراً لقائم مقاميتهم إلا أن يكون من أجل دفاع أفضل لمدخل المنطقة من الجنوب.
وتحدث البكري عن واحة سوكنه فذكرها باسم (هل) فقال عنها:(( وبين زويله ومدينة سبها مسيرة خمسة أيام وهي مدينة كبيرة بها جامع وأسواق وبين مدينتي سبها، وهل مثل ذلك، وهي مدينة عامرة كثيرة النخل وعيون الماء ومن مدينة هل إلى مدينة ودان يوم )). وربما كان اسم سوكنه مشتقاً من كلمة سكنى أو سكوناً، والتي تعني سكن بالمكان أي أقام واستقر فيه وهناك رأي يقول بأنها اسم لقبيلة، حيث يشير إلى أن سوكنه وغريان اسمان قديمان لقبيلة هواره أو أنها كلمة عربية دخلتها العجمية، فيقال إن اسم سوكنه جاء من كلمة ( سوقنا ) نظراً لأنها كانت مركزاً تجارياً تروج فيه تجارة أفريقيا فنطقها الأعاجم سوكنه بدلاً من سوقنا.
واحة هـــون:
وهي إحدى واحات الجفره، تقع غربي ودان بمسافة 19 كم وشرقي سوكنه بنحو 15 كم وهي واحة كثيرة العيون والمياه، حدائقها ونخيلها قريبة من سور المدينة الذي يحيط بها وله ثلاثة أبواب، ويوجد به ثلاث مساجد وهي مشيدة على نفس طراز سوكنه ولكنها أصغر منها ويعتمد أهلها على الزراعة والتجارة والحرف التق






















